الإصدارات

النشرة الإخبارية

المستجدات

07-08-2019

جلسات تسليم المقررات التحكيمية الجديدة: استقبال مجموعة قدماء تلاميذ ضباط الصف ب (...)

اقرأ المزيد

06-08-2019

جلسات تسليم المقررات التحكيمية الجديدة: استقبال قدماء معتقلي تازمامارت وذوي حقوق (...)

اقرأ المزيد

06-08-2019

استقبال مدنيين معتقلين من طرف البوليزاريو في إطار متابعة توصيات هيئة الإنصاف (...)

اقرأ المزيد
الاطلاع على كل المستجدات
  • تصغير
  • تكبير

الكلمة الإفتتاحية لرئيس المجلس السيد عمر عزيمان

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السيد مستشار صاحب الجلالة

السادة الوزراء

السيدات والسادة الأعضاء

اسمحوا لي، في البداية، أن أعبر، نيابة عنكم، عن مدى افتخارنا وتقديرنا للتشريف المولوي الذي خصنا به صاحب الجلالة بتعييننا أعضاء في رحاب هذا المجلس.

واسمحوا لى أيضا أن أعلن، بنفس المناسبة، بأننا استقبلنا هذا التعيين الملكي باعتزاز كبير وإحساس دقيق بالمسؤولية.

ويطيب لي، باسمي الشخصي، أن أهنئكم تهنئة حارة على الثقة المولوية التى أولاكم إياها صاحب الجلالة، وكذا لنبل المهمة التي ستقومون بها، كما اغتنم هذه الفرصة المباركة لكي أهنئ المنظمات والجمعيات والمؤسسات والهيئات التي تنتمون إليها.

والحقيقة أننا عشنا يوم 10 دجنبر 2002 يوما عظيما، جسد تحولا دالا في التاريخ المعاصر لبلادنا، وخصوصا فيما يرجع للقضايا التي تأخذ باهتمامنا جميعا، أي دمقرطة المجتمع، وتشييد دولة الحق، وحماية حقوق الإنسان والنهوض بها.

ففي هذا اليوم، عينكم صاحب الجلالة أعضاء في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، آخذا بعين الاعتبار مساركم وإخلاصكم ونزاهتكم وتجاربكم ومؤهلاتكم وتضحياتكم، وكذا مساهماتكم الشخصية في مجال حقوق الإنسان.

وقد جعل منكم صاحب الجلالة أعضاء نشيطين لمجلس استشاري ذي اختصاصات متطورة وموسعة، مجلس استشاري مستقل ومتعدد، يتكون في غالبيته من شخصيات تنتمي إلى المجتمع المدني، ومن مناضلين التزموا -منذ فترة طويلة - بقضية حقوق الإنسان، مع مساهمة نسائية تفوق عشرين في المائة.

ولقد طوقكم صاحب الجلالة، في ذلك اليوم، بمهمة بالغة النبل، أي العمل إلى جانب جلالته في سبيل تحقيق كرامة المواطن، وحماية حقوق الإنسان والنهوض بها، والمساهمة بدوركم في تشييد الأوراش الكبرى: ورش تحديث المجتمع، وورش ترسيخ دولة الحق والقانون، وورش تعميق الديموقراطية.

حضرات السيدات والسادة،

أرجو منكم أن تسمحوا لي أن أعود بكم قليلا إلى الوراء، قصد إبراز معنى وحمولة هذا الحدث فلو اقتصرنا، فى هذه العودة، على فترة لا تتجاوز خمس عشرة سنة، وألقينا نظرة تاريخية سريعة على مجرياتها، لوجدنا أن مسألة حقوق الإنسان كانت في صلب جميع الانشغالات، وفي عمق تطور المغرب على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ففي تلك المرحلة كانت حقوق الإنسان تكتسي معنى خاصا، ارتبط بفترات الصراع والتوتر والخروقات والتجاوزات المتولدة عنها. ولهذا الأمر كان الدفاع عن حقوق الإنسان، قبل كل شيء، نضالا من أجل المعتقلين السياسيين والمنفيين، مثلما كان إدانة للاعتقالات التعسفية وللاختفاء القسري. ولهذا كانت حقوق الإنسان تختزل في الحقوق السياسية، وفي حالات مأساوية وملفات أليمة وقوائم تروج خفية.

ولم يكن من الممكن القيام بأي شيء ذي بال في طريق الانفتاح السياسي، طالما أن المغرب يجر وراءه أثقال هذا الحمل، كما لم يكن من الممكن عمل أي شيء على طريق دمقرطة المجتمع وتشييد دولة القانون، بدون التسوية المسبقة لتلك الملفات الصعبة. وفي هذا السياق، المتميز تميزا واضحا بمخلفات الماضي الذي اكتست فيه حقوق الإنسان حمولة أليمة، ظهر المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

ويمكن القول: إن بدايات هذا العمل كانت شاقة وصعبة، لأن الطابوهات كانت كثيرة، والمسكوت عنه حاضرا، والمواقف متباعدة جدا، والشك مهيمنا، والخلفيات ملتبسة. زد على ذلك أن مهمة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لم تحدد بما فيه الكفاية، واختصاصاته لم تكن واضحة بدقة.

وعلى هذا الأساس ظل المجلس الاستشاري، خلال سنواته الأولى، يبحث عن أسلوبه، ولغته، وخطه العام، إلا أنه بفضل الانتقادات الموجهة له، وكذا بفضل الالتزام المؤكد والملموس للدولة لفائدة حقوق الإنسان، بدأنا نشعر ببوادر التطور. ولذلك أدرك المجلس أن الوجهة قد تغيرت، وأنه أنشىء للعمل والاندراج في اتجاه التطور التاريخي، وبذلك أيضا تجاوز المجلس تردداته، وأصبح يسمي الأشياء بمسمياتها، وينخرط في معالجة القضايا التي أنشئ من أجلها.

وهكذا قام المجلس سنة 1994 باقتراح عفو شامل على صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، فكان أن تمتع بهذا العفو 424 معتقلا سياسيا، كما اقترح المجلس العفو عن المنفيين السياسيين، فتمت بذلك عودتهم إلى بلدهم.
كما أنه استطاع، سنوات بعد ذلك، أن يتفرغ لمعالجة قضية الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، مقترحا بذلك على جلالة الملك تسوية هذه القضية الحساسة، بطريقة تنسجم مع تطلعات مجتمع على أتم استعداد لإعادة قراءة تاريخه، ومراجعة نفسه، ينشد التغيير، ويريد القطع النهائي والعادل مع مرحلة ولت بدون اضطراب ولا توتر، مثلما يريد السير، بكل اطمئنان، في طريق البناء والتقدم والانتقال نحو الديموقراطية.

ومباشرة بعد اعتلائه عرش أسلافه المنعمين أمر جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بإحداث هيئة مستقلة للتحكيم، كلفت بالاستماع إلى الضحايا، وفحص الملفات، والقيام بالتحريات، وجبر الأضرار المادية والمعنوية فانخرطت هذه الهيئة، مباشرة بعد إحداثها، في معالجة المهمة التاريخية التي كلفت بها. ويمكن اليوم أن نذكر لها أنها أنجزت شيئا كثيرا مما تفرغت له. وكل شيء يدعو إلى الاعتقاد بأن لجنة التحكيم المستقلة سوف تنتهي من عملها في أجل قريب.

حضرات السيدات والسادة،

إن تصميم جلالة الملك على الطي النهائي لصفحة الماضي بحزم وهدوء وبعدل وإنصاف، والالتزام الثابت للمغرب على طريق التصفية والمصالحة، قادا بالضرورة، في الآونة الأخيرة، إلى طرح مسألة مصير المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وما إذا كان يجب إلغاؤه لانتفاء دوره ؟ أم يجب بعثه وتجديد مهمته ؟
وقد أدركنا كيف حسم صاحب الجلالة هذه القضية.

فقد خطى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في «صيغته الأولى»، خطوات مهمة على طريق التصفية والتسوية والمصالحة. غير أن قضية حقوق الإنسان، التي لا يمكن اختزالها في تركة مرحلة مضطربة، لم تنته بعد ولا يمكن لها أن تنتهي.

إن الالتزام الملكي الصريح لصالح حقوق الإنسان، يتجاوز بكثير تصفية ملفات مرحلة ولت بالرغم من أهميتها الحاسمة، لأن حقوق الإنسان هي الحقوق السياسية، ولكنها بالمثل هي الحقوق المدنية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والحق في التنمية والبيئة السليمة. ولذلك يمكن أن نعتبر بأن المنظور الاختزالي الذي أملته مرحلة معينة من تاريخنا قد انتهى إلى زوال لفائدة منظور شمولي لحقوق الإنسان يمكن للمغرب، بل ويجب عليه، أن يتبناه.

وعلى هذا الأساس قرر صاحب الجلالة تدقيق وتوسيع اختصاصات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. ففي الوقت الذي حافظ، بطبيعة الحال، على دوره الاستشاري إلى جانب جلالته فيما يرجع للقضايا التي يمكن أن يعرضها عليه، أصبح مؤهلا أكثر للعمل:

في سبيل تنمية ثقافة حقوق الإنسان، التي يمكن اعتبارها دعامة للديموقراطية والحداثة؛

وفي السهر على ملاءمة القانون الداخلي مع المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان، وهي من أنجع الوسائل لتطوير وتحديث القانون الداخلي؛

وفي السهر على تقويم سياسة حقوق الإنسان، من خلال إعداد تقرير سنوي حول وضعية حقوق الإنسان في المغرب.

وبدون جرد جميع الاختصاصات الجديدة الأخرى التي تعرفونها حق المعرفة، فإن الأمثلة السابقة تكشف بجلاء عن إرادة إنهاء مرحلة ترتبط بالماضي، والتوجه إلى أخرى تتطلع إلى المستقبل.

ولذلك قرر جلالة الملك تقوية استقلالية المجلس، الذي أصبح يتمتع باستقلالية إدارية ومالية، مثلما أصبح يقوم فيه أعضاء الحكومة بدور في غاية الأهمية، لكن بصفة استشارية.

ولذلك أيضا اختار جلالته للمجلس تركيبة تعددية، تحافظ على تمثيلية الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات المعنية بحقوق الإنسان، ولكنه أفرد مكانا واسعا لتمثيلية الجمعيات الأكثر نشاطا في مجال حقوق الإنسان بمعناها الشمولي، المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والحقوق الثقافية، وكذا الحق في التنمية والبيئة والمواطنة.

ولذلك أيضا ألح صاحب الجلالة على أن يكون أعضاء المجلس في «صيغته الجديدة»، أكانوا ممثلين للمجتمع السياسي أم للمجتمع المدني، في مستوى المهمة الجديدة المنوطة بهم، خصوصا وأن الأمر يتعلق بشخصيات مرموقة، معروفة بنزاهتها الأخلاقية والثقافية وبكفاءتها في ميدان حقوق الإنسان، ومساهمتها في الدفاع عن هذه القضية النبيلة، فضلا عن قدرتهم ووعيهم على جعل حقوق الإنسان فوق كل المنازعات السياسية والإيديولوجية لخدمة كرامة الإنسان، ومساواة وحرية المواطنين وسيادة القانون.

وبذلك سيكون على المجلس، من خلال تقوية استقلاليته وتوسيع اختصاصاته وتكوينه المتميز، أن يدشن عهدا جديدا.

حضرات السيدات والسادة،

من الواضح أننا مدعوون، من خلال عملنا، إلى بلورة صورة جديدة للمجلس الاسثشاري لحقوق الإنسان، ونحت شكله المتطور بمجهوداتنا الجماعية، أي أن يصبح المجلس واعيا كل الوعي بما حققه المغرب من خطوات جريئة وتقدم نال استحسان الجميع في الداخل والخارج، ومصمما على مواصلة الطريق للانتهاء من طي صفحة الماضى بمنهجية إنسانية متحضرة، وحريصا كل الحرص على تكريس وتعميق وإغناء المكتسبات المتحققة، والسير بثبات نحو فتح آفاق جديدة قصد التغلب على تحديات المرحلة، والتوجه نحو المستقبل.

وإنني لمقتنع، انطلاقا من وفائنا الصادق للقيم الإسلامية، وتعلقنا المشترك بالقيم الديموقراطية، وبالمكانة التي نوليها للقيم الأخلاقية ولروح المسؤولية، بأننا سننجح في القيام بمهامنا.

كما أنني مقتنع، بناء على احترامنا للآخر وإقرارنا بالتنوع والاختلاف، وبقدرتنا على التفكير والحوار، بأننا سنحول هذا النجاح إلى منجزات حقيقية جديدة، ستنضاف إلى ما نعتز به من رصيد تاريخي، وما نفتخر به من رصيد حضاري مؤكد.

فعلى بركة الله ننطلق. «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

رئيس المجلس

عمر عزيمان

أعلى الصفحة